معلومات صادمة للمهتمين بحمية الكيتو!!

0

لو كنت تعتقد عزيزي القارئ أن الصيحات تقتصر على عالم الأزياء فقط، فكِّر مرة أخرى. نحن في عصر تغزو فيه الصيحات كل شيء، حتى طُرق تناولنا للطعام أو حميات إنقاص الوزن. لذا تجد ببساطة سبعمئة ألف مشارك أو أكثر في أكبر مجموعة تضم المهتمين بحمية الكيتو الغذائية على موقع “فيسبوك” في الوطن العربي وحده، تلك الحمية التي لمع نجمها في السنوات الأخيرة بوصفها واحدة من “صيحات الحمية” (Fad diets) التي تطل علينا بين حين وآخر، لتُثير عاصفة من الاهتمام والجدل قبل أن تهدأ من جديد.

 

على عكس ما قد يعتقده الكثيرون، فإن حمية الكيتو ليست بالبدعة الجديدة تماما، إذ ابتُكِرت قبل مئة عام، تحديدا في ولاية مينيسوتا الأميركية عام 1921، بواسطة راسل وايلدر (1)، الطبيب في عيادة “مايو كلينيك” الشهيرة، الذي اقترح نوعا خاصا من الحمية التي تُحدث تأثيرا يشبه الصيام على الجسم، وتنتج “الأجسام الكيتونية” وبالتالي يمكن استخدامها لعلاج مرضى الصرع، بانيا ملاحظاته تلك على أعمال مَن سبقوه في استخدام الصيام والتجويع علاجا أثبت فعالية ما في علاج مرضى الصرع منذ بداية القرن العشرين.

تكرَّرت هذه التجربة مرة أخرى في العام 1970 على يد الطبيب روبرت أتكنز، ولكنها اتخذت طريقا مختلفا، فبدلا من علاج الصرع اتجه تركيزه إلى إنقاص الوزن، وتحوَّل اسمه إلى علامة تجارية تُروِّج لحِميته الشهيرة “حمية أتكنز” التي تشبه حمية الكيتو الحالية كثيرا، لكنها تسمح بقدر أكبر من النشويات في مراحلها المُتقدِّمة.

 

تتطلَّب حمية الكيتو بشكلها الحالي أن تحصل على قدر قليل من سعراتك اليومية من الكربوهيدرات، وأن تعتمد بالدرجة الأولى على الدهون مصدرا للطاقة. حمية الكيتو المثالية (2) يجب أن تحتوي على نحو 20-50 جراما فقط من النشويات في اليوم، وهذا يعادل حبة ونصفا من البطاطس متوسطة الحجم، أو موزتين كبيرتين على سبيل المثال. في المقابل يجب أن تحتوي على 75 جراما من البروتين، و165 جراما من الدهون، والرقم الأخير يساوي أكثر من 70% من سعراتك الحرارية اليومية.

 

يبدو هذا الاسم وكأنه قادم من عوالم سوبرمان وكوكب كريبتون، لكن الكيتونات هي مركبات أرضية تماما وتوجد بصورة طبيعية داخل أجسامنا في كثير من الحالات، لكن ما الكيتونات وكيف يمكن أن تكون سلاحا مهما لجسدك؟ لنفهم أكثر لا بد أن نتأمل كيف تحصل خلاياك على الطاقة في الظروف العادية.

 

الجلوكوز هو وجبة خلاياك المفضلة (3)، ويحصل عليه جسدك من خلال تناول الخبز والأرز والمعكرونة والشوفان، وأيضا من الفواكه وبعض الخضراوات النشوية والبقوليات. بعد أن يُهضم الطعام ويُمتص في أمعائك الدقيقة، تبدأ عملية تكسير الجلوكوز لعناصر أصغر، لتتحوَّل في النهاية، من خلال عمليات معقدة داخل الخلية، إلى ماء وثاني أكسيد الكربون، وينتج عنها وحدات الطاقة التي يحتاج إليها الجسم ليؤدي عمله كما يجب.

 

عندما تُحرَم الخلايا من الجلوكوز لفترة طويلة، كما يحدث في الصيام أو في حمية الكيتو، يبدأ الجسم في تكسير الدهون المختزنة إلى وحدات أصغر وهي الأحماض الدهنية، التي يقوم الكبد بتكسيرها في عملية ينتج عنها الأجسام الكيتونية، التي تلعب دور البديل لعنصر الجلوكوز الغائب عن الساحة، وتمد أعضاء الجسم بالطاقة التي تحتاج إليها لتستمر في أداء وظائفها. تستغرق هذه العملية عدة أيام قد تصل إلى أسبوع من بداية الحمية (4)، وفقا للعمر ومعدل النشاط البدني ومدى الالتزام بالحمية، وعندها نبدأ في ملاحظة النتائج الإيجابية لهذه الحمية المثيرة للجدل.

 

ربما يكون أكثر ما يُميِّز حمية الكيتو هو نتائجها المذهلة من حيث فقدان الوزن في وقت قصير، وهو ما يسعى إليه الكثيرون في عصر السرعة، حيث لا وقت للصبر والتمهُّل وانتظار النتائج طويلة الأمد. لكن ماذا لو علمت أن كل جرام من الجلايكوجين (الكربوهيدرات المخزنة في الكبد والعضلات التي يستخدمها الجسم بديلا لنقص الجلوكوز من الغذاء) يرتبط بثلاثة جرامات من الماء؟ (5)

تكسير الجلايكوجين لإنتاج الطاقة يُسبِّب فقد الكثير من المياه، التي تغادر الجسم مع البول أو العرق، مما يصنع فارقا ملحوظا في الوزن في الأسبوع الأول من بداية الحمية، وكلما كان وزنك كبيرا، ازدادت كمية المياه التي تفقدها في هذه العملية، وبدت النتائج أكثر روعة. لذا، لا تتوقَّع أن تفقد الكثير من الدهون في بداية الحمية، لكن بمجرد استقرار جسدك في الحالة الكيتونية، سيكون فقدان الوزن أكثر بطئا ولكنه أكثر فعالية، بل وربما تحصل على منافع إضافية.

ل سمعت عن مصطلح “مقاومة الإنسولين” من قبل؟ إنها من أهم المشكلات التي يعاني منها مرضى السكري من النوع الثاني، التي تنتج في المقام الأول بسبب السمنة المفرطة وتناول الكربوهيدرات تناولا مبالغا فيه، وتعني باختصار أن جسدك لا يستجيب جيدا لهرمون الإنسولين، مما ينتج عنه زيادة نسبة الجلوكوز في الدم وما يتبعه من مضاعفات، ولكن ربما تستطيع حمية الكيتو فعل شيء ما بهذا الصدد.

 

في عدة دراسات أُجريت على مرضى السكر من النوع الثاني (6) (7)، قيست نسبة سكر الدم ومقاومة الإنسولين قبل اتباع حمية الكيتو المنخفضة الكربوهيدرات وبعدها لعدة أسابيع، ولوحظ تحسُّن سريع وواضح على مستوى استقرار سكر الدم، وانخفاض مقاومة الإنسولين، بالإضافة إلى ميزة فقدان الوزن وهو جزء مهم وأساسي في خطة علاج مريض السكر من النوع الثاني، نظرا للارتباط الوثيق بين السمنة ومقاومة الإنسولين. قد تبدو هذه النتائج عظيمة ومبشرة، لكنها قد لا تكون مميزة لهذه الدرجة.

ففي دراسة امتدت لثلاثة أشهر (8)، وجد الباحثون أن الحمية منخفضة الكربوهيدرات أعطت نتائج أفضل من الحمية منخفضة الدهون فيما يتعلَّق بالسكر التراكمي في الدم لدى مرضى السكر من النوع الثاني، لكن دراسة أخرى (9) وجدت بعد عامين أنه لا فرق يُذكَر بين نتائج الحميتين، إذ إن كلتيهما أدَّت إلى انخفاض السكر التراكمي والسكر الصائم وانخفاض الوزن بالنسبة نفسها.

 

تكرَّرت هذه النتائج في دراسة أخرى تُسمى “دايتفيتس” (DIETFITS) أُجريت على مجموعتين لا تُعانيان من مرض السكر (10)، اتبعت إحداهما حمية منخفضة الكربوهيدرات والأخرى حمية منخفضة الدهون، واستمرت لمدة عام كامل، لتصل في النهاية للاستنتاج ذاته، معدل فقدان الوزن في المجموعتين لم يختلف كثيرا. لذا ربما لا تختلف حمية الكيتو كثيرا عن غيرها من الحميات في النهاية.

لكل جواد كبوة كما كان يُقال قديما، ولكل حمية صارمة كبوتها. بالنسبة لحمية الكيتو فإن أشهر الأعراض الجانبية التي رُصِدت لدى مُتَّبعيها هي ما يُعرف بـ “إنفلونزا الكيتو” (11)، وهي ليست بالتسمية العلمية تماما، وهي مجموعة من الأعراض التي تنشأ في الأسبوع الأول من الحمية، وتتضمَّن الإرهاق والعصبية واضطراب النوم وضبابية التركيز والإمساك، لكنها لا تُعَدُّ أعراضا خطيرة بالضرورة، بل إن العديد من متبعي الحميات المختلفة الأخرى ذكروا أعراضا شبيهة في الأيام الأولى أيضا، وقد يكون ذلك نتيجة تأقلم الجسم على النظام الغذائي الجديد ليس أكثر.

 

من جانب آخر لا يمكن حرمان جسدك من الكربوهيدرات لفترة طويلة دون التعرُّض لإغراء النشويات، حين تعجز عن مقاومة تناول الكربوهيدرات بكميات أكبر مما هو مسموح به، خاصة عندما تُحاط بمجموعة لا تتبع الحمية نفسها، أو تنهال عليك إعلانات الوجبات السريعة الشهية، أو حين تجد نفسك وحيدا في المناسبات الاجتماعية التي لا يتوافر فيها الطعام المناسب لحمية الكيتو، مما قد يفرض عليك نوعا من العزلة الاجتماعية قد لا يتحمله البعض، وعندما تنهار إرادة المرء ويبدأ في تناول النشويات من جديد، يكتسب الوزن الذي فقده بسرعة.

 

ليس هذا فحسب، بل إن حمية الكيتو لا يفترض أن تتضمَّن “يوما مفتوحا” يتحرَّر فيه المرء قليلا من قيود الحمية الصارمة، ويتناول شطيرة برجر شهية أو طبقا من المعكرونة اللذيذة، فطبقا لدراسة حديثة نسبيا (12) صادرة عن جامعة كولومبيا البريطانية (British Columbia)، فإن تناول 75 جراما من الجلوكوز في اليوم المفتوح، أي ما يعادل ما تحصل عليه إذا شربت مياها غازية واحدة أثناء اتباع حمية منخفضة الكربوهيدرات مثل حمية الكيتو، كفيل بإحداث ضرر مباشر وسريع في الخلايا المبطنة للأوعية الدموية، رغم إجراء الدراسة على مجموعة من الشباب الأصحاء بالأساس، مما يُرجِّح أن الاستسلام لفكرة اليوم المفتوح أو “وجبة الغش” (Cheat meal) قد يلغي النتائج الإيجابية التي حقَّقها جسدك طوال فترة الالتزام بالحمية.

من جهة أخرى، وحيث إن حمية الكيتو تتضمن نسبة عالية من الدهون، التي لا تكون كلها دهونا صحيّة بالضرورة، مثل الدهون المشبعة، فكان لا بد من دراسة تأثيرها على الكبد، وهو العضو المسؤول عن أيض الدهون وتخزينها أو تفتيتها حسب الحاجة.

ما يسترعي الانتباه حقا، وربما القلق، في هذا السياق هو دراسة الحالة الصادرة العام الماضي (13)، التي وصفت مريضة في السابعة والخمسين من عمرها، تعاني من السمنة وقرَّرت اتباع حمية الكيتو قبل أربعة أشهر من قدومها للمستشفى، حاملة حفنة من المشكلات الصحية على رأسها الكبد الدهني وارتفاع نسبة إنزيمات الكبد، التي تدل على تدهور وظائف هذا العضو الحيوي، وأيضا ارتفاع نسبة الدهون الضارة في الدم. وبعد أسبوعين فقط من توقُّف الحمية، انخفضت قراءات إنزيمات الكبد والدهون الضارة إلى حدٍّ ما، لكن الأمر استغرق عاما كاملا حتى عادت القراءات إلى معدلاتها الطبيعية.

ليست هذه بالحالة الفردية، فحسب ما نُشر في دورية نوتريَنتس (Nutrients Journal) في يناير/كانون الثاني 2021 (14)، أُجريت دراسة على أربع وعشرين سيدة يافعة معافاة وذات وزن طبيعي، حيث قمن باتباع حمية الكيتو لمدة 4 أسابيع، وجاءت النتائج مشابهة، إذ رُصد ارتفاع ملحوظ في نسبة الدهون الضارة (LDL) بشكل لا يتماشى مع سن وحالة تلك السيدات الصحية.

 

في التجارب على الفئران، رُصدت آثار مدمرة على الكبد كذلك (15)، يستخدم العلماء الفئران لتوافرها وسهولة الاعتناء بها، حتى وإن لم تتشابه أجهزتها الداخلية كليا مع أعضائنا نحن البشر، لكن هذه الاختبارات قد تعطينا إشارة ما عن تأثير هذا المرض أو ذلك الدواء على جسم الإنسان فيما بعد.

لكن على الجانب الآخر من كل ذلك، فإن بعض الدراسات التي أُجريت على البشر أعطت نتائج مختلفة عن الفئران (16)، خاصة على المدى القصير، حيث لوحظ انخفاض في مقاومة الكبد للإنسولين، وبل وتحسُّن غير متوقَّع في المرضى المصابين بالكبد الدهني غير الكحولي -غير الناتج عن تعاطي الكحوليات- ورغم كل هذا، فإنه لا توجد بعد دراسات طويلة المدى لقياس تأثير حمية الكيتو على الكبد إذا ما استمر اتباعها لفترات طويلة.

هذه النتائج المتباينة بين العديد من الدراسات حول حمية الكيتو المثيرة للجدل لا بد أن تجعلك تتمهَّل قليلا قبل اتخاذ قرار اتباع مثل هذا النوع من الحميات الصارمة، إنها لا تؤكد أو تنفي شيئا بعد، لكنها تعني أن حمية الكيتو ليست في كل الأحوال الحل السحري كما تدَّعي مجموعات وسائل التواصل الاجتماعي، والواقع أنه لا يوجد حل سحري. لا بد أولا من استشارة طبيب لتعرف إذا كانت هذه الحمية مناسبة لك أم لا، خاصة لو كنت مصابا بمرض السكر أو الضغط أو أحد أمراض القلب والأوعية الدموية. ثانيا، لا بد من الالتزام التام بتعليمات الحمية، وعدم المبالغة فيها، حتى تحصل على النتائج التي ترغب بها بأمان.

 

وأخيرا، لا بد أن تُدرك أن هذه الحمية، كغيرها من الحميات، قد لا تُناسب الجميع، وقد تعطي نتائج مختلفة مع أشخاص مختلفين، لذا يجب ألا تيأس إن وجدت أن أحدهم يحصل على نتائج إيجابية من إحدى الحميات ولا تجدها، لا يزال باستطاعتك الاختيار بين أنواع الحميات المختلفة، وسوف تجد ما هو أنسب لجسدك وحالتك.

Leave A Reply

Your email address will not be published.